الكويت : «الدستورية» ترفض بطلان انتخابات مجلس الأمة 2020




قضت المحكمة الدستورية برفض جميع الطعون الانتخابية المقدمة ببطلان انتخابات مجلس الأمة 2020، وعليه فإن المجلس مستمر.,وقررت الدستورية اليوم، تأجيل النطق في الحكم في الطعن بالتصويت على منصب رئيس مجلس الأمة الى جلسة الثالث من مارس المقبل.

المحامي

تاريخ النشر: 2021-02-24 10:29:59

الناشر/الكاتب:

الجريدة | قصر العدل – تفاصيل الخبر من المصدر

الكويت : جريدة الجريدة الكويتية | محكمة التمييز ترفض مطالبة النيابة بمحاكمة المتهمين لمخالفتهم «التعهد»



• أكدت أن «الامتناع» ليس قضاءً بعقوبة إنما تقرير من المحكمة
• الأحكام الجزائية لا يجوز تنفيذها إلا إذا أصبحت نهائية

رفضت محكمة التمييز الجزائية برئاسة المستشار صالح المريشد طلب النيابة العامة تحريك الدعوى الجزائية مجددا ضد متهم سبق الحكم عليه بعقوبة الامتناع عن العقاب، لإدانته بجريمة تعاطي مواد مخدرة خلال مدة التعهد.

وقالت المحكمة في حيثيات حكمها ان النص المقرر للنيابة العامة بطلب محاكمة المتهم عن الجريمة السابقة لارتكابه جريمة أخرى خلال فترة التعهد يخالف القانون، وذلك لأن العبرة بطلب تحريك الدعوى الجزائية عن القضية السابقة يكون في حالة ادانة المتهم عن القضية الجديدة خلال فترة التعهد بحكم يحوز حجية الأمر المقضي وليس مجرد اتهام.

وكانت النيابة العامة قد وجهت الى المتهم تهمة حيازة مواد مخدرة بقصد التعاطي وصدر بحقه حكم قضائي بتقرير الامتناع عن النطق بالعقاب والتزام حسن السير والسلوك مدة سنة، وذلك في عام 2018، الا ان النيابة تقدمت بطلب معاودة محاكمته ومعاقبته عن جريمة التعاطي مجددا لارتكابه خلال فترة التعهد لجريمة، وطالبت بمعاقبته مجددا عن جريمة التعاطي، لكونه خالف حكم الامتناع عن العقاب.

وقضت محكمة الاستئناف الجزائية، التي قدم اليها طلب النيابة العامة للعدول عن حكم الامتناع لإخلال المتهم باشتراطه، وقررت إلغاء حكم الامتناع عن النطق بالعقاب، وقضت بحبسه سنتين مع الشغل والنفاذ، الا ان المتهم طعن على الحكم امام «التمييز».

وقالت «التمييز» في حيثيات حكمها انه من المقرر، وفقا لنص المادة 81 من قانون الجزاء، أنه «إذا اتهم شخص بجريمة تستوجب الحكم بالحبس جاز للمحكمة إذا رأت من أخلاقه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها جريمته أو تفاهة هذه الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى الإجرام، أن تقرر بالامتناع عن النطق بالعقاب، وتكليف المتهم بتقديم تعهد بكفالة شخصية أو عينية أو بغير كفالة يلتزم فيه بمراعاة شروط معينة، والمحافظة على حسن السلوك المدة التي تحددها على ألا تتجاوز سنتين.

وتابعت: وإذا انقضت المدة التي حددتها المحكمة دون أن يخل المتهم بشروط التعهد اعتبرت إجراءات المحاكمة السابقة كأن لم تكن، أما إذا أخل المتهم بشروط التعهد فإن المحكمة تأمر بناء على طلب سلطة الاتهام أو الشخص المتـولی رقابته أو المجني عليه بالمضي في محاكمته، وتقضي عليه بالعقوبة عن الجريمة التي ارتكبها، ومصادرة الكفالة العينية إن وجدت.

وأضافت انه يستفاد من هذا النص أن الامتناع عن النطق بعقاب المتهم ليس قضاء بعقوبة، بل هو في حقيقته تقرير من المحكمة بأن الجاني قد ارتكب الجريمة- مما كان يستوجب معاقبته بعقوبة الحبس المقررة لتلك الجريمة فيما لو قضت المحكمة في الدعوى، إلا أنها قررت أن توقف الإجراءات عند هذا الحد لما ارتأته من توافر موجبات التخفيف المشار إليها في النص آنف البيان، ومن ثم فيتعين لاستعمال المحكمة السلطة المخولة لها لإعمال حكم هذه المادة متى توافرت موجباتها أن تكلف المتهم بتقديم تعهداً كتابيا مصحوبا بكفالة أو بغير كفالة يلتزم بموجبه مراعاة حسن السير والسلوك للمدة التي تحددها المحكمة على ألا تجاوز سنتين- فإذا أخل بشروط التعهد فإن المحكمة بناء على طلب سلطة الاتهام أو الشخص المتولى الرقابة أو المجني عليه أن تمضي في محاكمته لتوقع العقوبة المقررة للجريمة التي ارتكبها وثبتت في حقه.

ولفتت الى انه بعد أن أثبتت المحكمة في حق الطاعن ارتكابه جريمتي حيازة مادة مؤثرة عقلية بقصد التعاطي وقيادة سيارة تحت تأثير مادة مؤثره عقليا- إلا أنها وللأسباب التي ساقها قضت بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من التقرير بالامتناع عن النطق بعقاب الطاعن على أن يقدم تعهدا مصحوبا بكفالة قدرها خمسمئة دينار يلتزم فيه بمراعاة حسن السلوك مدة سنة مضت، وبناء على طلب من النيابة العامة في محاكمته استنادا إلى اتهامه في القضية، وكان البين من الحكم المطعون فيه أن المحكمة وبعد أن عرضت لواقعات الدعوى على نحو ما سلف بيانه خلصت إلى أن الطاعن خلال مدة التعهد اتهم وقُدم للمحاكمة في القضية السالف بيانها بتهمة إحداث آلام بدنية شديدة واحتجازه بدون وجه حق، وخلصت المحكمة إلى قبول الطلب المبين من النيابـة.

وأوضحت المحكمة ان مفاد ما نصت عليه المادة 214 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية «أن الأحكام الصادرة من المحاكم الجزائية لا يجوز تنفيذها إلا إذا أصبحت نهائية»، أن الحجية لا تنصرف إلا إلى الأحكام النهائية التي باتت حائزة لحجية الأمر المقضي، ومن ثم فلا يمكن أن يترتب أي أثر على أي حكم جنائي يستوجب تنفيـذه إلا إذا صـار نهائيا جائزا للحجية، والقول بغير ذلك يتنافي مع القواعد الأصولية في المحاكمات الجنائية من أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم جنائي حائز للحجية- وإذ كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد اتخذ من مجرد اتهام الطاعن في القضية السالف بيانها خلال فترة التعهد وتقديمه للمحاكمة عنها دليلا على إخلاله بشروط التعهد وبحسن السلوك- وهو ما لا يستقيم مع إعمال صحيح القانون- ذلك أنه قد يقضي ببراءته مما أسند إليه من اتهام، وعندئذ لا يمكن القول بأنه قد أخل بحسن السلوك أو بالتعهد المقدم منه، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون معيبا بما يستوجب تمييزه والقضاء برفض الطلب المقدم من النيابة بشأن المضي في محاكمة المتهم.

المحامي

تاريخ النشر: 2021-02-23 00:00:00

الناشر/الكاتب:

الجريدة | قصر العدل – تفاصيل الخبر من المصدر

الكويت : جريدة الجريدة الكويتية | المعالجة القانونية والأمنية لقضية التحرش الجنسي



• تشريعاتنا فارغة من التجريم… وإقرار قانون لمواجهة تلك الظاهرة ضرورة
• 3 صور يجب النص عليها: اعتراض الحريات وإصدار إيحاءات جنسية أو خادشة للحياء والإضرار بالضحية
• يجب تحديد الأفعال المحظورة والتوازن في تقرير العقوبة وتحقيق الردع العام

نقل المآسي الخاصة التي لم يتسن للجميع معرفتها والاطلاع عليها، غالباً ما يثير الجمهور عند عرضها عليهم، مما يسهم في حثهم على التفاعل وإبداء محاولات لتغيير الواقع المتسبب في استمرار تلك المآسي بالنسبة للفتيات اللاتي يعانين نتيجتها، لذلك فإن وراء كل قضية ردة فعل.

وما أحدثته ردة الفعل على خبر وفاة إحدى الفتيات بسبب التحرش هو الوقت المناسب لمعالجة قضية التحرش، بعدما خيمت تفاصيلها وأحداثها على أذهان الجمهور، وبدأوا يتابعونها عن قرب، ويتفاعلون مع العلاجات التي يطرحها المقربون من القرار، فيحثونهم على الإسراع بإنهاء تلك المأساة. ولذلك فالقول بأن أخطر علاج لأي قضية هو التعامل معها كردة فعل، إنما هو قول لا يتفق دائماً مع كل قضية، فردة الفعل في كثير من القضايا أسهمت في علاجها، بل كانت عنصراً فعالاً في علاجها على نحو سريع مادام الجميع اتفقوا على أنها تستحق النقاش والالتفات والمواجهة، ومادامت الأطراف المعنية بدراسة ذلك الملف تتعامل بموضوعية، وتحرص على إيجاد الحلول، وإشراك المتخصصين فيها، بعد الاطلاع على القوانين المقارنة، وهو الأمر الذي سيسهم في علاج أي قضية.

إن بروز قضية التحرش الجنسي على السطح مجددا امر يستدعي التفاعل مع جوانبها، والاستماع إلى معاناة المتعرضين لها، خاصة إذا كنا مطلعين في وقت سابق على وجود هذه المشكلة التي بدأت تتزايد، وحان الوقت لمواجهتها بعدد من الأبعاد الأمنية والقانونية والتعليمية والاجتماعية، لاسيما اذا ما ثبت عمليا إخفاق تلك الجهود في التصدي لهذه القضية.

وقبل استعراض الحلول المقترحة لمواجهة هذه القضية، تتعين الإشارة الى مسألة أولية، وهي أن التحرش الجنسي يمثل احدى صور التعدي على حرية الانسان في تنقله او تسوقه او تنزهه او بمظهره الخارجي، وعليه فإن اعتراض شخص ما ماديا للآخر حال تنقله أو تسوقه أو تنزهه بغرض السخرية أو الحط من الكرامة او الدعوة لإقامة علاقة بهدف التعارف أو إقامــــة علاقــــة عاطفية جبرا، هو لا شك تعد على حرية الانسان في التنقل او التسوق او التنزه، بما يستلزم من المشرع معاقبة هذا الفعل لكونه يستهدف حريات الآخرين التي كفلها الدستور وأناط بالقانون حمايتها، وحرص على معاقبة كل من يحاول النيل منها.

الأفعال

وليس التعدي وحده الذي يستلزم من المشرع التحرك لمناهضة حريات الاخرين بل معاقبة المعتدي ايضا على الافعال المادية الصادرة منه، والمتضمنة عند اعتراض حريات الآخر، السخرية قولا او فعلا والحط من كرامته، مستغلا ضعف الضحية أو حياءه أو عدم قدرته على الرد، أو عند تلفظه بعبارات تنطوي على إيحاءات جنسية، او ما يخدش الحياء او ينافي الآداب العامة.

وليس التعدي على الحريات وإصدار عبارات السخرية والايحاء الجنسي او ما يخدش الحياء هو فقط ما ينتهي في تلك الحالات بل احيانا يستطيل الى الاعتداء بالضرب او الدفع او اتلاف ممتلكات المجني عليه، سواء كان ذكرا او انثى، كالاستيلاء على حقيبة الفتاة او هاتفها، او صدم مركبتها، ومحاولة إيقافها، وهي وقائع تستلزم ايضا من المشرع مواجهتها قانونيا وتجريمها.

ولذلك فإن التجريم المنادى به لتلك القضية، يتضمن ثلاث صور، هي الاعتراض على حريات الآخرين بغية اجبارهم على التعرف او اقامة علاقة عاطفية أو السخرية منهم، قولا وفعلا، واستغلال ضعفهم وحيائهم، او عدم قدرتهم على الرد، والثانية هي التلفظ بالقول او بالاشارة بأفعال تنطوي على إيحاءات جنسية او ما يخدش الحياء العام او ما ينافي الآداب العامة.

والثالثة هي معاقبة الأفعال التي تعقب ذلك التحرش، وتستهدف الإضرار بجسد المجني عليه أو ممتلكاته، وتلك الصور لم تتم تغطيتها من قبل المشرع على هذا النحو، وتحدث فراغا تشريعيا يتسبب في النيل من حقوق وحريات الآخرين.

زي الضحية

وبعد ايراد الدواعي والحاجة التشريعية لإصدار قانون عبر اضافة مواد الى قانون الجزاء الحالي، لوجود فراغ تشريعي، تتعين الإشارة الى ان الباعث احيانا وراء التحرش هو الزي او المظهر الخارجي للضحية، سواء كانت ذكرا او أنثى، وما قد يتسبب من جلب الإثارة للمتحرش.

وتلك المسألة إن كانت لها وجاهتها من الناحية الواقعية، الا انها بالتأكيد لا تبرر فعل التحرش، ويجب الفصل بينها وبين واقعة التحرش، وعليه فإنه يتعين التعامل مع المظهر، والزي الخارجي للأشخاص على انه لصيق بالحرية الشخصية، ولهم الحق وحدهم في التعبير عن المظاهر الخارجية لهم، خاصة ان الدستور أكد في المادتين 30 و36 منه أن الحرية الشخصية وحرية التعبير مكفولتان في حدود القانون، ومن ثم فإن الخصوصية والحياة الخاصة من حق الاشخاص ان يمارسوهما.

حرية شخصية

الا انه حتى لا يساء فهم الحرية الشخصية فإنه يحق للامن، اذا ما ثبت خروج الاشخاص عن الاداب العامة او النظام العام، ضبط هذا الامر، وتوجيههم بشأن الفعل المخالف منهم.

ومن ثم فإنه اذا ما ثبت ارتداء الضحية ملابس غير لائقة وخادشة للحياء العام، وإظهار أجزاء من اماكن العفة بما ينافي الآداب العامة، فإنه للأمن إحالة الضحية بجريمة الفعل الفاضح في مكان عام، بينما إذا لم يثبت ان الزي او المظهر الخارجي يخالف الحياء العام او الآداب العامة، لا يجوز ايقاف الاشخاص لمجرد مظهرهم او زيهم الخارجي غير المألوف للبعض او للمتحرش نفسه.

ولذلك يتعين التفرقة بين حق الأشخاص في ممارسة حرياتهم الشخصية بصورها المتعددة، وبين حق الدولة في ضبط بعضها، متى ثبت خروجها عن المألوف الطبيعي، بما يدخلها في خانة جريمة خدش الحياء العام او الاداب العامة.

وبعد بيان تلك المسائل المهمة تتعين الآن الاشارة الى الحلول المقترحة لمواجهة ظاهرة التحرش، وفق 4 معالجات قانونية وأمنية وتعليمية واجتماعية.

أولاً: المعالجة القانونية لقضية التحرش الجنسي

إزاء الخلل التشريعي في قانون الجزاء، يتعين على المشرع، كما أسلفنا، إصدار قانون يعاقب على صور التحرش التي تمت الاشارة اليها والاسراع في اقرارها.

ورغم مطالبة البعض بعدم اصدار تشريع يعاقب على جريمة التحرش لكون النصوص الواردة بقانون الجزاء الحالية كافية لمعالجة الامر، الا انه بعد الرجوع الى احكام القانون يتبين خلوه من تلك الأحكام، وأن المعالجات الواردة فيه تخاطب افعالا، كالتحريض على الفسق والفجور وهتك العرض وخدش الحياء العام، وجميعها افعال لا تتفق تماما مع الصور المشار اليها بشأن التحرش الجنسي.

مقترحات

وعليه فإنه يتعين على المشرع الكويتي النظر الى المقترحات المقدمة مؤخرا من بعض اعضاء مجلس الأمة لتجريم ذلك التحرش، مع مراعاة ثلاثة ابعاد، هي:

1- أن يتم تحديد الأفعال المحظورة، على سبيل الحصر، وذلك حتى لا تتداخل المفاهيم المطلوب النص عليها مع بعض الافعال المنظمة حاليا، علاوة على ان وضوح النص سيساهم في ضبط الجريمة، وتمكين المحكمة من ادانة المتهم او تبرئته. وحتى لا يحدث أي ازدواج تشريعي من شأنه أن يحدث أي تداخلات في الجريمة أو مفهومها.

2- ان يتم وضع النص على العقوبة المناسبة لتلك الافعال، والتي يراد منها أمن المجتمع ككل، وذلك لأنه كلما كانت العقوبة مناسبة ورادعة للفعل كانت رادعة لمن تسول له نفسه الاقدام على تلك الافعال، كذلك يتعين في هذه المسألة أن يترك للقاضي تقدير العقوبة، وأن تضاعف عند العودة اليها، بينما العنصر الثالث والمهم عند وضع النص، هو ان يحقق النص فكرة الردع العام، بمعنى أن تترك للمحكمة مساحة عند إدانة المتهم بأن يقوم ببعض الاعمال المجتمعية أو أن يتم إلزامه بارتداء سوار مثلا عند تطبيق العقوبة، أو أن يتم نشر ملخص للحكم في صحيفتين على نفقته، وذلك لإظهار البعد المهم الذي ابتغاه المشرع في تحقيق الردع العام، وهم مسلك يتعين على المشرع الكويتي النظر اليه في تقرير العقوبة بقانون الجزاء والقوانين المكملة له بالنص على تحقيق فكرة الردع العام حتى يكون لتنفيذ العقوبة صوتاً وأثراً مجتمعياً حتى يتجنب الكافة الوقوع بها.

ثانياً: المعالجة الأمنية للتحرش

أعطى قانون الجزاء الكويتي، وقبله الدستور، لوزارة الداخلية حفظ الامن العام على نحو مستقل، او ارتباطاً بفكرة النظام العام، وعليه فإنه بعيدا عن الأفكار المطالبة بالتشريعات، وإن كانت ذات اهمية، الا ان بسط المنظومة الأمنية بما يسهم في ضبط الامن العام، كفيل بالقضاء على كل انواع الجرائم، ومن بينها التحرش بكل الوسائل المتعددة لرجال الشرطة.

وعليه فإن نشر مجموعة من رجال الأمن أو استعادة دور شرطة في الاسواق لحفظ الامن وضبط المخالفين وإحالتهم إلى القضاء هو المسلك الطبيعي الذي يقوم به رجال الأمن، وعليه فإن فكرة الانتشار الأمني احدى اهم الوسائل اللازمة لذلك، ولو كانوا في زي مدني، كما تقوم بذلك احدى الدول الخليجية التي تزرع العناصر الأمنية لضبط المخالفين والمستهترين وإحالتهم الى النيابة مباشرة.

كما أن المعالجة الأمنية وفق ما هو مسموح في الشوارع، يتم بالاستعانة بالكاميرات الموضوعة فيها، خصوصاً الشوارع التي يعتاد فيها هذا النوع من جرائم التحرش، بحسب ما تسفر عنه التقارير الأمنية وبإمكان ضبط المخالفين وإحالتهم الى أحد مخافر الشرطة.

وبشأن التفاعل مع البلاغات التي تقدم من قبل المتضررين من وقائع التحرش فإنه بالإمكان الاستفادة من خدمة عمليات وزارة الداخلية لتلقي هذه البلاغات، بصورة أسهل من الحالية، فضلاً عن إلزام المبلغ بتقديم الحد الأدنى من البيانات الخاصة بالبلاغ، إلى جانب توجيه المبلغ بما يقوم به تجاه الحدث الذي يتعرض له.

أما عن المطالبات بإنشاء موقع إلكتروني أو «ابليكش» لتلقي البلاغات او حتى ما ورد من قبل بعض النواب باقتراحاتهم، فقد يؤخذ عليها انها ستساهم في ارتفاع البلاغات الكيدية، والأولى ان تكون البلاغات رسمية بصورة اتصال الى عمليات وزارة الداخلية، أو شكاوى مكتوبة من قبل الضحية إلى الادارة العامة للتحقيقات عبر المخافر أو النيابة العامة، اذا ما عهد التشريع الجديد اليها بهذا الاختصاص.

ثالثا: المعالجة التعليمية والاجتماعية

لا شك ان التحرش قضية أخلاقية من الدرجة الأولى، وتتطلب التنبيه الى خطورتها، سواء من الاسرة او من المحيط الاجتماعي لها، فضلاً عن عن الاشارة الى خطورتها والتنبيه الى العواقب التي قد يواجهها مرتكب هذا الفعل في احدى المراحل التعليمية، وتحديداً الثانوية العامة، وأن يشار بتلك المناهج أو اقرار منهج للثقافة القانونية المطروح على طاولة وزارة التربية منذ سنوات، ولم يتم إقراره حتى الان، الى مجموعة من الأفعال التي يتعين على الطالب الابتعاد عنها لخطورتها، وما تحدثه من أضرار بالغة عليه وعلى الأسرة، فضلاً عن تسليط وزارة الاعلام الضوء على خطورة ارتكاب الجرائم من قبل الأحداث والمراهقين وما قد تسببه من أضرار على المجتمع ومستقبله وأسرته.

حسين العبدالله

المحامي

تاريخ النشر: 2021-02-23 00:05:00

الناشر/الكاتب:

الجريدة | قصر العدل – تفاصيل الخبر من المصدر

الكويت : جريدة الجريدة الكويتية | قانونيون لـ الجريدة•: تجريم التحرش الجنسي ضرورة والوضع الحالي يعاني فراغاً تشريعياً



• تطبيق المحاكم لمواد «التحريض على الفسق والفجور» لا يعالج الظاهرة
• مطالبات نيابية بإقرار تشريع جديد وأخرى تخشى أن يكون مصيدة لابتزاز فتيات للشباب

في الوقت الذي ترتفع مطالبات نيابية بإقرار قانون لتجريم التحرش الجنسي بهدف وقف ظاهرة التحرش التي يمارسها بعض الشباب ضد الفتيات، والتي أقدمت العديد من التشريعات المقارنة على مواجهتها، يرى بعض القانونيين أن قانون الجزاء الحالي يعاقب المتحرش وفق مواد التحريض على الفسق والفجور، وأنه لا حاجة لإقرار نصوص حديثة.

ولم يكتف النواب مقدمو الاقتراحات بتجريم التحرش الجنسي والنص عليها، بعقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات، بل طالب بعضهم بإنشاء منصات إلكترونية تابعة لوزارة الداخلية لتلقي البلاغات عليها في محاولة لفرض الرقابة الامنية على تلك السلوكيات.

حذّر عدد من النواب من التسرع في إصدار قوانين لمواجهة التحرش، وضرورة التمهل في إقرارها بعد دراسة جميع الجوانب المتصلة بها، ومراجعة القوانين الحالية حتى لا يكون التشريع الجديد مصيدة لابتزاز الشباب من بعض الفتيات بسبب أحكامه المتشددة والفضفاضة.

بدوره، قال رئيس قسم القانون الجزائي في كلية الحقـــــوق بجامعـــــــة الكـــــــويـــت د. حسين بوعركي لـ «الجريدة»، ان ظاهرة التحرش باعتبارها سلوكا منبوذا ظهرت خطورتها وسلبيتها، ولا يمكن مواجهتها إلا من خلال إصدار تشريع خاص، لأن النصوص القائمة لا تعالج ظاهرة التحرش، فنصوص التحريض على الفسق والفجور لا تصلح لمواجهة هذه الظاهرة، لأن التحريض على الفسق والفجور يعتبر مرحلة لاحقة لمرحلة التحرش التي تبدأ عادةً بمحاولة قيام رجل بالتعرف على امرأة أو الحديث معها.

ملاحقة

وأضاف بوعركي أن ذلك قد يمتد لأفعال أو ألفاظ أشد خطورة من ذلك، وغالباً هذه الأفعال لا تصل الى التحريض على الفسق والفجور، ومن ذلك ما يحدث من ملاحقة بالسيارات، فهذه الأفعال تقتصر فقط على الملاحقة بالسيارة، دون أن تمتد الى فعل اكثر من ذلك، فلا يمكن وصف هذه الأفعال بأنها تشكل أي جريمة وفق النصوص القائمة حالياً، لذلك يجب العمل على تجريم هذه الظاهرة.

ومن جانبه، أكد استاذ القانون الجزائي في كلية الحقــــوق بجامعـــــة الكــــويـــــت د. محمد التميمي لـ «الجريدة»، ان القانون الجزائي يستوعب في نصوص كثيرة أفعال التحرش دون الحاجة لاستحداث نصوص جديدة لهذه الافعال، وذلك لتجنب التنازع الصوري في النصوص الجزائية.

وأوضح التميمي أن فعل التحرش قابل لأن يندرج تحت أفعال التحريض على الفجور وفق نص المادة 200 من قانون الجزاء، وهذه ترجمة لأفعال التحرش الجنسي، كما أن المادة 160 من قانون الجزاء تعاقب على الإخلال بحرمة الجسم بغض النظر عن جنس المجني عليه، سواء كان ذكرا أم أنثى، وهو بالتالي صورة من صور التحرش.

ترجمة

وتابع: بالإضافة إلى أن التحرش قد يصاحبه تهديد يطال المجني عليه بجسده أو سمعته، وذلك لحمله على القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، وهو ما يجرمه قانون الجزاء وفق نص المادة 173، كما أن المادة 199 من ذات القانون تجرم ارتكاب الفعل الفاضخ غير العلني الذي لم يبلغ مبلغ هتك العرض مع أنثى، وهو ما يشكل صورة أخرى من صور التحرش، وتعاقب المادة 4 من قانون جرائم تقنية المعلومات أيضا على التحريض على الفجور من خلال استخدام وسائل تقنية المعلومات.

تعدٍّ

وأوضح أن التحرش الذي من شأنه أن ينسب واقعة إلى المجني عليه تؤذي سمعته يندرج تحت نص المادة 209 من قانون الجزاء باعتبارها جريمة قذف، مضيفا أن التحرش الذي يتعدى محيط اللفظ إلى الفعل يدخل في طائفة الجرائم الجنسية التي يعاقب عليها قانون الجزاء بعقوبات مغلظة.

وأكد التميمي أنه لا حاجة لاستحداث نصوص جديدة كردة فعل وليس كحاجة تشريعية، إذ إن ذلك الاستحداث لن يسهم إلا في تعزيز البعثرة التشريعية، موضحا أن المقترحات التي قدمت في شأن استحداث نصوص جزائية للتحرش غالبها التطرف والغلو ليس من شأنها تعزيز آلية الإصلاح وإعادة دمج المتحرش بالمجتمع بحسن ويسر، بل كانت غاياتها الثأر والعقاب، وهو ما سيعود وبالا على المجتمع.

التحرش

أما أستاذ القانون الجزائي في كلية الحقوق د. أحمد القحطاني فقال لـ «الجريدة»: «إن جريمة التحريض على الفسق والفجور لا تعالج ظاهرة التحرش، فما نراه من قضايا وسوابق عرضت على القضاء نلاحظ أن كثيرا من حالات التحرش يخرج المتهم منها بحكم البراءة، لعدم انطباق النص على حالته، مع أن فعله يندرج تحت ظاهرة التحرش باعتبارها ظاهرة اجتماعية سلبية؛ وأحيانا نجد في بعض الأحكام توسعا في تفسير جريمة التحريض على الفسق والفجور لمحاولة التصدي لظاهرة التحرش، ولكن ذلك معيب لمخالفته مبادئ تفسير النص القانوني الجزائي».

وتابع القحطاني «ومن هنا تظهر الحاجة لمعالجة ظاهرة التحرش بنصوص متكاملة لتجريم كل صورها وأنواعها، والتحرش الجنسي ليس إلا أحد صورها».

وبين أن معالجة ظاهرة التحرش تحتاج لنصوص خاصة بها تعالجها باعتبارها- بوجه عام- مضايقة بالقول أو الفعل تتم بشكل متتابع أو متكرر أو مستمر من شأنها أن تمس الشرف أو الاعتبار أو الكرامة أو الاطمئنان النفسي للمجني عليه. ثم تفرد نصوص خاصة تعالج ارتكاب هذه الظاهرة بحسب مكان ارتكابها، مثل اماكن العمل، وتحدد العقوبات بحسب مدلول المضايقة والنتائج المترتبة عليها.

أمر طبيعي

من جانبه، أكد عميد كلية القانــــون الكويتية العالمية د. فيصل الكندري أن موضوع التحرش الجنسي أخذ بعدا كبيرا في المجتمع الكويتي، وهو أمر طبيعي، بعد أن تصدى للموضوع كثير من مشاهير التواصل الاجتماعي، وأخذ بعدا أكبر من الضحايا في وسائل الإعلام المختلفة، وكذلك في المجتمعات الغربية، وظهر مسلسل كشف الضحايا عن وقائع تحرش جنسي وقعت منذ سنوات طويلة، فأوقعت بمشاهير السياسة والاقتصاد والفن.

وبين الكندري أن ما يحدث رد فعل طبيعي لموضوع يتحرج كثير من الضحايا عن كشفه، فنساء ورجال امتنعوا عن التبليغ عن تحرشات جنسية حدثت لهم، وأيا كان الوصف القانوني لكن منعهم التبليغ عنها هو الحفاظ على السمعة والشرف، فضلا عن العرف الاجتماعي الذي ينظر لضحايا الاعتداء والتحرش الجنسي نظرة سلبية، أو الامتناع خوفا من متنفذ في عمل أو رئيس، حفاظا على العمل، وتجنب كثير من العائلات التبليغ عن تحرشات جنسية وقعت لأطفالهم لذات الأسباب، وكل ذلك كان سببه عدم وجود جمعيات نشيطة للدفاع عن حقوق ضحايا الجريمة وضعف نشاط الجمعيات النسائية وحماية حقوق الطفل من فتح مجال التواصل مع ضحايا الجرائم الجنسية.

الوصف القانوني

وأضاف انه لا يوجد تعريف متفق عليه لفعل التحرش الجنسي، والذي عادة ما يطلق عليه أنه فعل المضايقة يشكل إيذاء للضحية نفسيا ولفظيا وبالتلميحات المسيئة، ويصل أحيانا لحد الإيذاء الجسدي والجنسي، ومن الناحية القانونية فإن مفهوم التحرش يعتمد على الفعل الواقع على المجني عليه، ذكرا كان أو أنثى، وتكون العقوبة وفقا للوصف القانوني لها.

فعل فاضح

وذكر أن المشرع يعرف مجموعة من الجرائم الواقعة على العرض والسمعة على الجنسين، فإذا كان الفعل فيه مساس بالعورة أو اخلال جسيم به فهو هتك عرض، وإن كانت الواقعة فعلا أو إشارة مخلة بالحياء في مكان عام أو بحيث يراه أو يسمعه من كان في مكان عام أو تشبه بالجنس الآخر بأي صورة من الصور فمعاقب عليها في المادة 198 جزاء، والمادة 199 جزاء تعاقب كل من ارتكب في غير علانية فعلا فاضحا لا يبلغ من الجسامة هتك العرض مع امرأة دون رضاها ويعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة واحدة وبغرامة لا تجاوز 75 دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وأردف: «إن كان الفعل طبعا أو ببيع أو توزيع أو عرض صور أو رسوم أو نماذج أو أي شيء آخر يخل بالحياء فمعاقب عليه بالمادة 204، وتتشدد العقوبة مدة لا تجاوز ثلاث سنوات والغرامة التي لا تجاوز ثلاثة آلاف دينار أو إحدى هاتين العقوبتين، وهي المقررة لجريمة التحريض علنا في مكان عام على ممارسة الفجور والدعارة».

وتابع الكندري: «إن كان الفعل هو إسناد صفة إلى المجني عليه من شأنها أن تخدش شرفه واعتباره في مكان عام أو على مسمع أو مرأى من شخص آخر غير المجني عليه فهو سب علني، وإن كانت الواقعة إسناد فعل يعد جريمة قرر لها القانون عقوبة جنائية، أو يوجب احتقار المسند إليه عند أهل وطنه فتشكل جريمة قذف».

تشديد العقوبات

وأوضح أن المشرع الكويتي أحاط بجميع الأفعال والألفاظ والإشارات التي لها تداعيات جنسية على ذكر أو انثى بسياج من العقوبات تتناسب مع المصلحة التي تم الاعتداء عليها، لكنه فات على الكثير هو تشديد العقوبات ان كان الفعل استغلالا للنفوذ أو سلطة رئاسية على المجني، وصدرت تحرشات جنسية لا تصل الى هتك عرض من صاحب نفوذ أو رئيس في العمل، لذلك عرف القانون الجنائي الفرنسي الجديد التحرش الجنسي في المادة 222-33 من القانون بأنه «ذاك الفعل الذي يقع من خلال التعسف في استعمال السلطة باستخدام الأوامر والتهديدات أو الإكراه بغرض الحصول على منفعة أو مزايا ذات طبيعة جنسية»، فقرر اعتبار أن هذا الفعل مستقل عن الجرائم التي تم ذكرها وخصه بعقوبة تتناسب معه.

حسين العبدالله

المحامي

تاريخ النشر: 2021-02-16 00:06:00

الناشر/الكاتب:

الجريدة | قصر العدل – تفاصيل الخبر من المصدر

الكويت : جريدة الجريدة الكويتية | رجائي عطية لـ الجريدة•: اتحاد المحامين العرب أقوى من الجامعة العربية لاستقلالية أعضائه



• نقيب المحامين المصريين أكد أن تراجع ثقافة احترام الآخر وراء الفجوة بين المحامين والقضاة
• الأمين العام للاتحاد كان في الكويت والنقيب السابق يريد عزله لأنه لم يعد يأتمر بأوامره
• مقاومة الفساد المتجذر وبث الإصلاح وتوفير الخدمات وكسر الروتين أبرز أولوياتي في النقابة

أكد رئيس اتحاد المحامين العرب نقيب المحامين المصريين رجائي عطية أن الاتحاد يمثل بارقة أمل للأقطار والدول العربية في قيامه برتق بعض المساحات التي قد لا تسمح ظروف الجامعة العربية بأدائها، لافتا إلى أن الاتحاد باستقلالية أعضائه يمثل مصدر قوة أكبر من الجامعة التي تخضع لحكومات الدول الأعضاء في اتخاذ قراراتها.

وقال عطية، في لقاء مع «الجريدة»، إن مقاومة الفساد المتجذر وبث الإصلاح وتوفير الخدمات وكسر الروتين أبرز أولوياته في النقابة، موضحاً أن من مهامه تدريب المحامين الجدد وتثقيفهم وتأهيلهم لأداء واجبهم.

ولفت إلى ضرورة تنمية قدرات المحامين ومواهبهم لإعادة المحاماة إلى سابق عهدها، فضلاً عن توفير الإمكانات المادية لتوفير الخدمات العلاجية لأعضاء النقابة، موضحاً أن المحاماة لم تعد كما كانت من حيث التأهيل الجامعي والتدريب المكتبي وتوفير الكتاب القانوني. وشدد على أن تراجع ثقافة احترام الآخر وراء الفجوة بين المحامين والقضاة، مطالباً المحامين بأن يفهموا أن جزءاً من احترام المحكمة لهم يكمن في احترامهم لدورهم، وعليهم جذب انتباه القضاة بثقافتهم وفرض أنفسهم بتمكنهم من أدواتهم… وفيما يلي تفاصيل اللقاء:

• نبارك لك ثقة زملائك المحامين كنقيب لهم. حدثنا عن مهامك الجديدة وخططك المستقبلية للنقابة خصوصا أن لك العديد من الخطوات الإصلاحية قبل توليك النقابة فيما يتعلق بعمل الجهاز الرقابي وتدخله في أعمال النقابة.

– مهام نقابة المحامين تنطوي على خطوط عريضة يقف في مقدمتها، وإن كان البعض يضعه في ترتيب لاحق استجابة إلى أن الخدمات هي التي يُخاطب بها ود المحامين، أقول إن في مقدمة تلك الخطوط دعم المحاماة كرسالة لا كمهنة، لأنها في جوهرها حماية للغير بمعنى أن الغير هو الأساس في عمل المحامي وفكرة المحاماة، وهذا من عمل الأنبياء والرسل، فتاريخ الرسل والأنبياء لم يكن به ذكر لياء الملكية والمصلحة الشخصية بل كان كله للغير في هدايتهم وتثقيفهم وبث الإيمان في قلوبهم، وبذر منظومة الأخلاق في نفوسهم، وكذلك المحامي يعمل في واقع الأمر وحاضر في وجدانه أنه يعمل لحساب الغير ويعمل أيضا أمام الغير، خلافا للطبيب والعامل الذي يلمس نتيجة عمله بيديه، أما المحامي فجهده محكوم عليه في يد الغير.

والمحامي ينتمي إلى فئة خاصة تغرد خارج السرب، لأنه مطالب بأن يكون على قدر كبير جداً من العلم والمعرفة والثقافة إلى جانب الموهبة، التي يستطيع بمقتضاها أن يطرح ما يريد، لأنه يتحدث بما لديه أمام محكمة، فهو مطالب برصيده المخزون من المعرفة بالقانون أن يحرك السواكن ويصل إلى لبّ إقناع المحكمة بعدالة القضية التي يتحدث فيها، وتلك هي مهمة رئيسية لنقابة المحامين، إذ تستقبل كل عام أجيالاً جديدة من المحامين.

وإذا كانت الأجيال القديمة كونت رصيدها من الناحية الثقافية والمعرفية بالتدريب والمران والخبرة فإن الأجيال الجديدة تستوجب أن يتعرض لها العمل النقابي بما يكفل لها التمرين والتأهيل وإمكانية الحصول على الكتاب القانوني، الذي هو في دنيا اليوم باهظ الثمن وقد يعز شراؤه على كبار المحامين، ولذلك لابد من دعم المكتبات العامة للمحامين على مستوى المحاكم الجزئية والابتدائية كي يستطيع المحامي أن يجد بغيته حينما تعز عليه فرصة اقتناء الكتاب أن يجده بين يديه بماكينات التصوير، فضلاً عن دعم الكتاب الذي تقدِّر النقابة أن المحامي يحتاج إليه أكثر من غيره، وأن تنظم كل ما يتصل بالأداء المهني؛ لأن المحامي يؤدي عمله إما أمام النيابة أو المحكمة المدنية أو الجنائية، ومن المهم جداً في واجبات النقابة أن تكفل للمحامين عموماً والجدد خصوصاً الأداء المهني في جو يستطيعون من خلاله إخراج ما لديهم من العلم والمعرفة بالقانون والتاريخ.

تلك الأمور المذكورة أساسية لا تقوم المحاماة إلا بها ولا تقوم الخدمات التي يُدغدَغ بها المشاعر سواء للمعاشات أو للعلاج إلا إذا كانت المحاماة قائمة، فالمحاماة هي الركن الركين الأساسي، وجزء كبير جداً من واجباتي كنقيب للمحامين هو إعادة العلم والمعرفة والثقافة للمحامين وتنمية القدرات ورعاية المواهب التي تنشأ بين صفوفهم كي تعود المحاماة إلى ما كنت عليه، فالفترة الراهنة شهدت بعدنا عن المحاماة.

وإلى جانب الإصلاح الثقافي لابد من الإصلاح الإداري، فأي عمل نقابي كي يؤدي خدماته سواء العلاجية أو الرياضية أو الثقافية أو المكتبية أو حتى خدمة المعاشات لابد له من جهاز إداري، لأنه إذا أصاب ذلك الجهاز العطب فستكون أوامره في الفضاء لا يجري تنفيذها، وإن نفذت فستنفذ بأساليب قد تكون بل في الغالب ستكون مشوبة بأغراض ومآرب من خلف الطاولة مثلما يقولون.

وضبط الجهاز الإداري مهمة كبيرة وخصوصاً عندما يكون الفساد قد تجذر ومضت عليه سنوات طوال كما هو الحاصل الآن، لذلك يجب التحلي بالأمانة ثم النظرة الواهية الممحصة الفاحصة لهذا الجاهز حيت يتم فيه التصحيح الواجب سواء باستبعاد العناصر التي ثبت انحرافها عن جادة الصواب، أو بتطعيمه بعناصر قادرة على إحداث الفارق.

ولذلك فإحدى المهمات الرئيسية القادمة للنقابة تتمثل في مقاومة الفساد الذي تجذر وبث النظام الإصلاحي وكسر الروتين وتحقيق ما تتحقق به الخدمات في أسرع صورة ممكنة، فمثلاً أقيمت عقبات في وجه المحامين كي يتم سداد الاشتراكات، وكانت هناك قضية سنة 2016 بضرورة تقديم المحامي تقريرين للتحركات ومحضري جلسة وإلا فلن يسمح له بسداد الاشتراك، في حين أن سداد الاشتراك واقعة مادية، فمن حق المحامي أن يدفع اشتراكه إلكترونياً وهو في بيته حاله كحال النقابات الأخرى والأندية الرياضية، لذلك فمن مهام النقابة تحديث الجهاز الإداري والهيكل الإداري، لاسيما أن النقابة العامة للمحامين ممتدة في كل بقاع الجمهورية إذ تنضوي تحتها 28 نقابة فرعية.

أما عن الخدمات مثل العلاج، فيجب تدبير وسائل له مثل الإمكانات المادية لأن ذلك مجال معاونة المحامي في أزمته إذ تيسر له النقابة القدرة على تشخيص الداء وتلقي العلاج وشراء الدواء وهذا كله يحتاج الى منظومة تستقبل طلبات العلاج ولابد أن تكون مهيأة للقيام بهذه المهمة، إلى جانب لجنة علاج تحدد قيمة مساهمة النقابة، ثم يعرض الأمر على النقيب ليصدر الكتاب أو الشيك الذي يحمل تلك القيمة، وهذا كله يتطلب انتقاء المستشفيات الجادة القادرة على تقديم الخدمة الطبية الجيدة وبتكاليف معقولة، ويراعى في اختيار تلك المستشفيات أن تغطي كل المساحة الجغرافية للجمهورية، ويقوم ذلك على انتقاء صحيح لا عن طريق شراء المصالح والمودات إلى جانب انتقاء واختيار عدد معين من العيادات التخصصية فالارتفاع بمستوى الخدمة يستلزم تكاليف ترتيبُها يدخل ضمن السياسة العامة للنقابة، فالمعاشات والعلاجات تحتاج إلى نفقات لابد من توفيرها، وقديماً كانت النفقات لا حصر لها في مآدب وولائم واحتفالات ومؤتمرات لا لزوم لها، وكانت تقام لتلميع الناس وبثّ الدعاية لهم، وأُنفقت عشرات الملايين في هذه الأبواب، وهو ما أدى إلى انخفاض قدرة النقابة على تمويل العلاج والمعاشات.

لذلك لا بدّ من تخفيض النفقات، والاستغناء عن غير الضروري منها، ورفع مستوى الإيرادات التي تأتي من أبواب رئيسية، مثل أتعاب المحاماة، ومع الأسف كان النقيب السابق يعاني بسبب عدم الحصول على تلك الأتعاب المكدسة أمام المحاكم، وقد تحركت في هذا الملف لدى وزارة العدل ومجلس الدولة، ونجحت خلال أسبوعين في الإتيان بـ 25 مليون جنيه من وزارة العدل، و45 مليوناً من مجلس الدولة للنقابة.

وتأتي الإيرادات أيضا من باب التصديق على العقود، وهي رسوم يصب جزء منها في النقابة، باعتبارها قائمة على تكاليف النقابات الفرعية وموظفيها ومرتباتهم، وجزء آخر يقتطع للنقابة الفرعية، بما يعادل 25 في المئة للفرعية و75 في المئة للنقابة العامة، وهناك بند آخر للإيرادات هو دمغة المحاماة، فلا يمكن الحضور في تحقيق أو محاضر إلا وقد سددت هذه الدمغة.

ونحن نعمل على قدمٍ وساق في سبيل ربط النقابات الفرعية بالنقابة العامة بنظام إلكتروني يحقق الخدمات وتسجيل العقود والملفات وسداد الاشتراكات، فإذا نجحنا في زيادة الإيرادات وقلصنا النفقات غير الضرورية، فهنا ترتفع ميزانية النقابة، وفي ذلك مقدمة أولى لنستطيع الوفاء بالالتزامات العلاجية والمعاشية، وهو ما نحتاج فيه إلى ما يسمى الدراسة الاكتوارية القائمة على أساس، والتي تقرن الإمكانات المادية والميزانية العامة بالمطلوبات المتوقعة في السنة الحالية أو القادمة.

أما ما يتعلق بالمعاشات فهذا الملف كبير جدا، وملف حزين غير عادل في جميع النقابات عموما، وفي نقابة المحامين خصوصا، فالأسرة التي تتكون مثلا من أرملة وثلاثة طلاب في الجامعة ومثلهم في التعليم الابتدائي لا يكفيهم المعاش إلى آخر الشهر، ولذلك لا بدّ من رفع هذه المعاشات، ولا بدّ أن تصل بكرامة للمستحقين، سواء المحامين الذين أحيلوا للمعاش وما زالوا على قيد الحياة أو الأسر المستحقة لمعاش المحامي المتوفى.

ومع الأسف، تم نقل عدد كبير من المحامين تعسفيا الى باب غير المشتغلين، ولذلك فالنقابة مُطالبة بنظر تظلمات هؤلاء المحامين وإنصافهم، فالمهام الإصلاحية لا تنقطع، وأصعب من الإصلاح مقاومة محاربيه، وهذا ديدن موجود في كل مكان حتى في دعوات الرسل، فمقاومة الإصلاح ظاهرة سلبية في بلدان الشرق الأوسط عموما، ولذلك لا بدّ أن يكون من يتولى تلك المهمة من أصحاب العزم.

• ماذا عن اتحاد المحامين العرب؟

– هذا الاتحاد نعول عليه كثيراً، لأنه يملك ما لا تملك جامعة الدول العربية التي تتحكم فيها الحكومات، وقد يكون لكل حكومة سياسة ما تقيّد أداء الجامعة، وذلك غير موجود في الاتحاد، لأنه اتحاد نقابات المحاماة، وهي مهنة حرة لها استقلالية كبيرة، ولذلك تجد بعض الأنظمة تعادي المحامين لأنهم أصحاب فكر ورأي وحرية، ورزقهم على الله لا يأخذون راتبا أو ينتظرون علاوة أو بدلا، بل رزقهم مرتبط بكفاءتهم وعلمهم، وبالتالي هم عصاة على الإخضاع.

واتحاد المحامين العرب يمثّل أملا جديدا للأقطار العربية في قيامه برتق بعض المساحات التي قد لا تسمح ظروف الجامعة العربية بأدائها. والاتحاد كان يقوم بمهامه على خير وجه، لكنّه تعرّض في الفترة الأخيرة للمصالح والأغراض الشخصية.

والأمين العام للاتحاد ناصر الكروين موجود في الكويت، وكان النقيب السابق يريد عزله لأنه لم يعد يأتمر بأوامره، ولأنه يقف مع الحق، وشهد الاتحاد أخيراً أحداثا مؤسفة، وهي متداولة لدى الجميع، فمع ثقل عبء الإصلاح هناك ثقل آخر يأتي من الرياح المعاكسة والمضادة التي تبتغي وقف الإصلاح تحقيقا لمآرب وأغراض شخصية.

• كيف تقيّم مستوى المحامين الآن ومدى ثقافتهم؟ وهل تراجعت قيمهم ونظرتهم لمهنة المحاماة؟

– القيم لا تتراجع، لكن قد يتراجع تمسّك المرء بها، فالقيم خالدة والعبرة فيها ليست بالصورة، ولكن في المغزى، فقيمة التراث ليست بالمشهد بل في المعنى، في النزاهة والعفة عن المال العام، واختلاف الزمن والظروف يحتّم علينا اتخاذ العبرة من المغزى والمعنى، لا من الشكل وهذا المنطق نستطيع تطبيقه في واقع المحاماة.

لذلك ستبقى القيم موجودة، لكن قدر التزام المحامي بها هو ما يحدث فيه كمية من النحر على مدى الزمن، وهذا النحر يصيب المحامين الجدد أكثر من القدامى الذين تشكلوا في وقت شربوا فيه القيم حتى صارت في نسيجهم، ولذلك فالمحاماة لم تعد كما كانت بدءا من التأهيل الجامعي والتدريب في المكاتب، مرورا بالكتاب والصحافة الورقية التي تعيش أزمة راهنا، وكثيراً من المستجدات التي تعترض سبيل المحامي، ومهمة النقابة حاليا هي تغذية الأجيال القادمة بالمعرفة والثقافة.

• هل ينطبق ذلك على النخب القانونية؟

– النخب القانونية باب كبير، وهذا المصطلح يسرى على أساتذة الجامعات الذين لهم ظروف أخرى، وعلى الموظفين في الدواوين الحكومية، ومن يحملون إجازة أو ليسانس الحقوق، كما يسري على بعض المدرسين المعينين في المعاهد أو المدارس من خريجي كليات الحقوق، فالدراسة في هذه الكلية شاملة لمجموعة متنوعة من المعارف؛ إذ يتخرج الحقوقي أو القانوني مؤهلاً بعدة مؤهلات يستطيع من خلالها أن يعمل في المحاماة أو في القضاء أو في مجلس الدولة والنيابة الإدارية أو في وزارة الخارجية والجامعات وغيرها، وهي قدرات رهينة بما يكتسبه دارس القانون في كليه الحقوق.

• كثير من الهيئات القضائية لا تلبي طلبات المحامين ولا تمكنهم من الدفاع، ما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟ وما نصيحتك للمحامين في كيفية التعامل مع الهيئات القضائية؟

– السبب في ذلك أو في تلك الأزمة هو التراجع في ثقافة احترام الآخر واحترام دور الآخر، وأذكر مثلا ان عبدالعزيز باشا فهمي عندما كان يحتفل سنه 1934 بإنشاء المحاكم الأهلية كان من أسهم في هذه الاحتفالية محامون وقضاة، وكان ذلك يعبر عن احترام متبادل بين الجهتين، فعبدالعزيز باشا فهمي كان شيخ المحامين والقضاة، وكان ثاني نقيب للمحامين، وكانت له مقولة شهيرة: القاضي مرجح، لكن المحامي مبدع، ولا يفتيك مثل خبير.

وبطبيعة الحال في كل وقت يوجد نغمات نشاز، ولكن الاجمالي العام قائم على الاحترام المتبادل.

ومن أسباب تلك الأزمة أيضاً تراجع الثقافة العامة، وقد يعاني المحامي مع القضاة الشباب وصغار السن الذين يريدون إثبات أنفسهم، فمع حداثة التكوين وعدم إتاحة الفرصة تختلط القيمة بشوكة السلطة.

ولعلاج تلك الأزمة لابد من جهود متبادلة بين القضاة وأعضاء النيابة والمحامين، فلا بد أن يفهم المحامون أن جزءا من احترام المحكمة لهم يرتبط باحترامهم لدورهم، فبعض المحامين يذهبون الى المحكمة وهم غير جاهزين، ومع ذلك يطالبون القاضي بالاستماع إليهم رغم انهم يقولون كلاما لا وزن له، وأذكر مثلا قضية الحمار المسروق عندما ترافع أحد المحامين فيها، وظل يذكر للقاضي أنه لا يمكن سرقة الحمار لأنه قد يصدر صوتا ينبه صاحبه أو يهرب من سارقه، وهنا تدخل القاضي ضاحكا وقال للمحامي إن الحمار المسروق حمار خشبي، ولذلك لابد أن يكون المحامي مطلعا جيدا على القضية ويجذب انتباه القاضي، ويكون جاهزا بالمعرفة، وأن يكون لديه ما يقدمه، وبذلك يستطيع ان يفرض نفسه، وأقول للقضاء إن المحاماة مكملة للعدالة، ولن تستقيم العدالة الا إذا كان هناك محامون يؤدون واجبهم على الوجه الصائب.

• رسالة للناس والمحامين عن مهنة المحاماة التي يُنظر لها على أنها وظيفة أو تجارة.

– المحاماة ليست وظيفة، ولا يمكن ان تكون كذلك، وليست مجرد ذهاب وإياب للمحكمة، ولا يمكن ان تكون كذلك، بل هي رسالة كمهمة الرسل والأنبياء، ويجب ان يكون المحامي محبا لحمل هذه الرسالة، وهو ما سيمكنه من المعارف والثقافة التي تؤهله لأداء رسالته، فالمحاماة لا تقبل ضرة كما يقولون.

حسين العبدالله

المحامي

تاريخ النشر: 2021-02-09 00:05:00

الناشر/الكاتب:

الجريدة | قصر العدل – تفاصيل الخبر من المصدر

الكويت : جريدة الجريدة الكويتية | الأثر الفوري لتطبيق القضاء الجزائي في قانون البلدية



صدر قانون البلدية في 4 يونيو 2016، وتم العمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 12/7/2016، وقد نصت المادة 52 من هذا القانون على أن «يلغى القانون 5 لسنة 2005 المشار إليه كما يلغى كل حكم يخالف أحكام هذا القانون».

يجب الإشارة ابتداء إلى أن قانون البلدية الجديد قد تضمن بعض القواعد الموضوعية المتعلقة بالجرائم والعقوبات، وهذه لا خلاف على انطباقها بأثر فوري ومباشر على الجرائم التي تقع بعد العمل به قولا واحدا، أما القواعد القانونية الإجرائية القضائية التي تضمنها القانون الجديد فتمثلت بشكل أساسي في نص المادة 46 من القانون رقم 33 لسنة 2016، الذي جرى على «أن تنشأ بقرار من المجلس الأعلى للقضاء دائرة واحدة أو أكثر بالمحكمة الكلية تشكل من ثلاثة قضاة تختص دون غيرها بالنظر في الجرائم التي ترتكب بالمخالفة للوائح التي تصدرها البلدية، وتستأنف الأحكام الصادرة من هذه الدائرة أمام محكمة الاستئناف في دائرتها الجزائية»، والذي لم يحدد الأحكام الانتقالية لتطبيقه سواء بالنسبة للدعاوى التي عرضت على دوائر البلدية قبل استحداث هذا النص وقضى فيها غيابياً أو حضورياً، وكذلك الطعون بالاستئناف التي عرضت على دوائر جنح مستأنف، ثم طعون التمييز أمام هيئة تمييز الجنح بمحكمة الاستئناف، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات التي تحتاج إلى تأصيل سنعرض له بشيء من التفصيل على النحو التالي:

لا خلاف بين جمهور فقهاء قانون الإجراءات الجنائية على أن قواعد تنظيم اختصاص القضاء الجنائي تسري بأثر فوري ومباشر فور نفاذ القانون على نحو يكاد يتحقق به الإجماع على هذه المسألة، لكن وقعت بعض الخلافات التي أراها غير منتجة بشأن مناط أعمال هذا الأثر الفوري فميز بعض الفقهاء بين مجموعتين من القواعد الإجرائية محل البحث:

المجموعة الأولى

قواعد تنظيم القضاء الجزائي كتلك التي تلغي محكمة قائمة وتنقل اختصاصاتها إلى محكمة أخرى مستحدثة أو قائمة، فقرر الفقهاء في شبه إجماع بأن مناط انطباق تلك القواعد بأثر فوري ومباشر على جميع الدعاوى المطروحة على القضاء وقت نفاذ القانون، وإحالتها إلى المحكمة الجديدة أو المستحدثة هو عدم صدور حكم بات فيها، فكل دعوى جزائية لم يصدر فيها حكم بات وأدركها القانون الجديد الذي نقل الاختصاص بنظرها إلى دائرة جديدة تحال إلى المحكمة المختصة وهي قاعدة متعلقة بالنظام العام تقضي بها المحكمة من تلقاء ذاتها وتثيره نيابة النقض أو التمييز ولو لم يتمسك به أي من الخصوم، ومن ثم لا يحق للمتهم التمسك بأي قاعدة قديمة أو مركز قانوني مكتسب، لأن الأمر يتعلق بقواعد متعلقة بالنظام العام تتقدم فيها المصلحة العامة للمجتمع على أي مصلحة شخصية، وذلك كله يقوم على قرينة افتراض أن القانون الجديد هو القانون الأصلح للجماعة مهما حققه للخصوم من ضرر أو فائدة ذاتية، وهذا الرأي لم يشذ عنه غالب الفقه، وأخذت به محكمة النقض المصرية، إذ قضت بأنه (لما كان القانون 105 لسنة 1980 بإنشاء محاكم أمن الدولة والمعمول به اعتبارا من أول يونيو سنة 1980 – قبل الحكم المطعون فيه – يتضمن في الفقرة الأولى من مادته الثالثة النص على أن «تختص محاكم أمن الدولة العليا دون غيرها بنظر الجنايات المنصوص عليها في الأبواب الأول والثاني والثاني مكرر والثالث والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، والجرائم المرتبطة بها»، كما تضمن النص في المادة التاسعة منه على أنه «على المحاكم أن تحيل من تلقاء نفسها ما يوجد لديها من دعاوى أصبحت من اختصاص محاكم أمن الدولة بمقتضى ذلك القانون بالحالة التي تكون عليها بدون رسوم».

المجموعة الثانية

قواعد تنظيم اختصاص القضاء الجنائي وهي القواعد التي لا تلغي محكمة قائمة وتستحدث محكمة جديدة، وإنما فقط تعدل من اختصاص المحاكم القائمة فيما بينها بالنقص أو الزيادة، وهنا وضع بعض الفقهاء معايير قد لا تخرج عن ثلاثة:

1- معيار وقت رفع الدعوى الجزائية أمام المحكمة بحيث إذا رفعت الدعوى إلى المحكمة قبل نفاذ القانون المعدل للاختصاص تستمر في نظرها إلى أن يصدر فيها حكم بات.

2- معيار قفل باب المرافعة، ويعني أن المحكمة باشرت نظر الدعوى وسمعت المرافعة وقررت حجزها للحكم فتستمر في استكمالها حتى صدور حكم بات فيها.

3- معيار صدور حكم ابتدائي في موضوع الدعوى الجزائية فتستمر المحكمة في إجراءات المحاكمة والطعن وفقا للقانون القديم، وذلك حتى صدور حكم بات فيها، ولا شك في أن حجج هؤلاء الفقهاء بشأن معاييرهم الثلاثة التي تدور حول نظرية الحق المكتسب وتعلي المصلحة الشخصية للمتهمين على المصلحة العليا للمجتمع وتتشبث بفكرة توفير الوقت والجهد وحسن سير العدالة هي حجج واهية – من وجهة نظري – ولا تقدم مبررا مقبولا يدعو إلى تبني اختلاق تفرقة بين المتهمين أمام القضاء الجزائي في الدعاوى المتماثلة على نحو يخلق الاضطراب ويهدر قانونا إجرائيا ساريا تتعلق قواعده بالنظام العام، وهو سبب بحد ذاته يكفي للرد على أي صوت يناهض التردد في تطبيق الأثر – الفوري والمباشر على كل الدعاوى الجزائية التي لم يصدر فيها حكم بات قبل نفاذ القانون الإجرائي الجديد سواء تعلق الأمر بتنظيم القضاء الجزائي أو بتنظيم اختصاصه سواء بسواء، وقد قضت محكمة النقض تأييدا لذلك بأن «القوانين الإجرائية تسري من يوم نفاذها على الإجراءات التي لم تكن قد تمت، ولو كانت متعلقة بجرائم وقعت قبل نفاذها، وأن القوانين المعدلة للاختصاص تطبق بأثر فوري وشرط ذلك أن تكون الدعوى لم يفصل فيها بحكم بات».

اختصاص

كما قضت أيضا بأن «الأصل أن قوانين الإجراءات تسري من يوم نفاذها على الإجراءات التي لم تكن قد تمت ولو كانت متعلقة بجرائم وقعت قبل نفاذها، وقد جرى قضاء محكمة النقض على أن القوانين المعدلة للاختصاص تطبق بأثر فوري شأنها في ذلك شأن قوانين الإجراءات فإذا عدل القانون من اختصاص محكمة قائمة بنقل بعض ما كانت مختصة بنظره من القضايا طبقا للقانون القديم إلى محكمة أو جهة قضاء أخرى فإن هذه الجهة الأخيرة تصبح مختصة ولا يكون للمحكمة التي عدل اختصاصها عمل بعد نفاذ القانون الجديد – ولو كانت الدعوى قد رفعت إليها بالفعل طالما أنها لم تنته بحكم بات، وذلك كله ما لم ينص الشارع على أحكام وقتية تنظم مرحلة الانتقال».

وعليه فإن إعمال الأثر الفوري والمباشر للنصوص الإجرائية الجزائية النافذة المتعلقة بتنظيم واختصاص القضاء الجزائي سواء ألغت اختصاص محكمة وأسندته إلى محكمة أخرى قائمة أو مستحدثة يوجب إحالة كل الدعاوى التي لم تفصل فيها المحاكم بحكم بات إلى المحكمة المختصة وفقا للقانون الجديد، ولا يوجد أي تعارض بين المستقر عليه من أن الطعن على الحكم يخضع للقانون الساري وقت صدوره، إذ إن المحكمة المختصة بنظر الطعن أمر منبت الصلة عن طريق الطعن ذاته في مجال تطبيق الأثر الفوري المباشر للنصوص التي تحدد الاختصاص القضائي، وهو ما اتجهت إليه محكمة النقض المصرية على نحو ما سلف في العديد من الأحكام، وأصبح من الواجب على المحاكم التخلي عن أي دعوى جزائية أصبحت من اختصاص محكمة أخرى، وعلى محاكم الطعن أن تقضي بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة وفقا للقانون الجديد الذي أدرك الطعن أمامها.

محكمة الاستئناف

وإذ كان نص المادة 46 من قانون البلدية رقم 33 لسنة 2016 قد استحدث دائرة مشكلة من ثلاثة قضاة تختص دون غيرها بنظر الجرائم التي ترتكب بالمخالفة للوائح التي تصدرها البلدية، كما نقل الاختصاص بنظر استئناف أحكام تلك الدائرة إلى محكمة الاستئناف العليا في دائرتها الجزائية، وترتب على ذلك نقل الاختصاص بنظر الطعون بالتمييز على تلك الأحكام الصادرة من الدائرة الجزائية بمحكمة الاستئناف إلى محكمة التمييز، عملا بالقواعد العامة في حالات وإجراءات الطعن بالتمييز، فإن هذه القواعد تسري على كل دعوى لم يصدر فيها حكم بات، وعلى المحاكم أن تحيل ما يوجد لديها من دعاوی، وعلى محاكم الطعون أن تقضي بإلغاء الأحكام التي صدرت بالمخالفة لذلك، وتأمر بإحالتها إلى المحكمة المختصة لتقضي فيها من جديد.

وبناء على ما تقدم فإن:

1- دائرة جنح ومخالفات البلدية في تشكيلها الفردي لم يعد لها وجود، وحلت محلها في الاختصاص دائرة مستحدثة مشكلة من ثلاثة قضاة تنشأ بموافقة مجلس القضاء الأعلى هي المختصة دون غيرها بنظر الجرائم التي تقع بالمخالفة للوائح البلدية ولم يعد لأي دائرة غيرها اختصاص بنظرها.

2- أن الأحكام التي أصدرتها الدائرة المشكلة من قاضي فرد، وإن كانت تخضع لطرق الطعن والإجراءات المقررة وقت صدورها إلا أن المحكمة المختصة بنظر تلك الطعون هي المحكمة التي حددها نص المادة 46 من القانون الجديد دون غيرها، وهي محكمة الاستئناف في دائرتها الجزائية.

3- أن الأحكام الغيابية التي أصدرتها دائرة البلدية المشكلة من قاضي فرد يكون الطعن بالمعارضة فيها أمام محكمة البلدية الثلاثية بحسبانها المحكمة التي أضحت مختصة بنظر قضايا البلدية ابتداء، وبحسبان أن الحكم الغيابي يسقط بمجرد الطعن عليه بالمعارضة، وذلك عملا بالمادة 187 من قانون الإجراءات.

4- أن الأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف العليا يكون الطعن عليها أمام محكمة التمييز العليا نفاذا للأثر الفوري والمباشر للقواعد الاجرائية المتعلقة بتنظيم الاختصاص القضائي ووفقاً للقواعد العامة.

5- أنه يتعين على كل محكمة (أول درجة أو ثاني درجة أو محكمة التمييز) تنظر دعوى أو طعنا متعلق بجريمة من الجرائم التي وقعت بالمخالفة للوائح التي تصدرها البلدية أو لم يفصل فيه بحكم بات، أن تتخلى عن الدعوى وتحكم بعدم الاختصاص والإحالة إلى المحكمة المختصة وفقا للقانون الجديد، إعمالا للأثر الفوري للقانون دون نظر إلى أي اعتبارات أو حجج احتراما لقاعدة قانونية إجرائية متعلقة بالنظام العام لا تقبل الجدل أو النقاش، لما في ذلك من تقويض لفكرة النظام العام ذاتها.

6- جدير بالذكر أن نص المادة 46 من قانون البلدية أنشأ دائرة تختص دون غيرها بنظر الجرائم التي ترتكب بالمخالفة للوائح البلدية، سواء تلك التي صدرت أو التي ستصدر مستقبلا، وهو ما أكده نص المادة 51 / 2 من قانون البلدية، فنصت على أن «يستمر العمل باللوائح والقرارات السارية قبل نفاذ هذا القانون إلى أن تلغى أو تعدل أو تستبدل غيرها بها وفقا لأحكام هذا القانون وذلك خلال ستة أشهر من تاريخ إصدار اللائحة التنفيذية»، والقول بغير ذلك يفرغ نص المادة 46 من مضمونها ويجعل النص لغوا وعبثا، فضلا عن أن القانون 33 لسنة 2016 هو الذي يحدد وقت سريانه وليس نصوص لوائح البلدية التي أشار إليها عجز المادة 46 عرضا، والتي تحدد الجرائم والعقوبات فقط، إذ لو أراد المشرع لنص على ذلك في صدر المادة صراحة، وغاية ما يمكن تصوره أن النص الموضوعي المحدد للجريمة والعقاب في لوائح البلدية ينطبق على الجرائم التي ارتكبت قبل نفاذه.

المحامي

تاريخ النشر: 2021-01-26 00:00:00

الناشر/الكاتب:

الجريدة | قصر العدل – تفاصيل الخبر من المصدر