موريتانيا : مغتصبات مهددات بالسجن…القانون والمجتمع يدمران حياة الضحايا في موريتانيا

نظام الارشفة الالكترونية

فندق

تأسف رئيسة رابطة النساء معيلات الأسر في موريتانيا (منظمة مجتمع مدني) آمنتو بنت المختار، للخطر الذي يهدد المبلغات عن تعرضهن لمحاولة الاعتداء الجنسي بالسجن، في ظل عدم اتخاذ خطوات رادعة ضد الجناة، ما يدفع الضحايا إلى التسوية الودية كمخرج للقضية، الأمر الذي أدى إلى تزايد تلك الجريمة البشعة، كما تقول.
وتواجه بنت المختار صعوبات في مسار التوعية وتثقيف المرأة غير المتعلمة والتي تمثل أكثر من 90% من ضحايا العنفالجنسي، إذ إن أغلبهن من القاصرات والعاملات في المنازل، مؤكدة أن رابطتها سجلت 592 شكوى من الاغتصاب في عام 2017، كما جرى تسجيل 300 حالة عنف جنسي من يناير/كانون الثاني حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول 2018، بينما أكدت الباحثة الاجتماعية خديجة محمد المختار في رسالتها للماجستير المقدمة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط الحكومية في 26 ديسمبر/كانون الأول 2017 بعنوان “المرأة والجريمة الأخلاقية في موريتانيا”، تسجيل 506 حالات اغتصاب لبالغات و149 من القصر و33 حالة اغتصاب جماعي لدى مصالح الشرطة في نواكشوط وعلى عموم التراب الموريتاني من يناير/كانون الثاني 2014 حتى يوليو/حزيران 2017.
القانون لم ينصف ضحايا الاغتصاب 
تتبنى رابطة معيلات الأسر، مشاكل ضحايا الاعتداءات الجنسية نظرا لضعف جرأتهن وضعف مستوى الوعي المدني بأهمية القانون لدى الأسر التي قدمت بلاغات بتعرض فرد منها للاعتداء الجنسي، لكن موظفي إنفاذ القانون يتقاعسون حيال شكاوى الموريتانيات اللواتي يتعرضن لجرائم الاغتصاب، وهو ما تؤكده عيشة السالمة بنت المصطفى محامية الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل (منظمة مجتمع مدني)، والتي قالت لـ”العربي الجديد” إن الدولة لا تقدم المساعدة لضحايا الاعتداء الجنسي، ولا للناجيات منه، الأمر الذي يتفق مع ما ورد في تقرير “قالوا اصمتي. العقبات أمام العدالة وسبل الانتصاف للناجيات من الاعتداءات الجنسية” الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش في سبتمبر/أيلول الماضي، والذي أكد أن الشرطة والمحققين القضائيين لا يحترمون حقوق الضحايا وكرامتهن حين يتقدمن بالشكاوى، وأن إجراءات التحقيق لا تضمن الخصوصية، أو السرية، ونادرا ما تتيح إمكانية التفاعل مع نساء مسؤولات، ويُمكن أن تتحول إلى تحقيق له بعد أخلاقي بحق الناجيات من الاغتصاب”، غير أن سيدي ولد بيده المستشار الإعلامي لوزارة الشؤون الاجتماعية والطفولة والأسرة الموريتانية، يدافع بالقول: “نثق بقدرات القضاة بشكل عالٍ ونهيب بهم تطبيق القانون بشكل يردع الجناة”، مضيفا لـ”العربي الجديد”: “للقاضي الحق بتقدير العقوبة التي يراها مناسبة ومن المعروف أن الاغتصاب غير الزنى، ويمكن للقاضي أن يبين، ما إذا كانت هذه السيدة مغتصبة، أم زانية، إذ إن تنزيل الأدلة في مكانها وترجيح أدلة على أخرى يبقيان من اختصاص القاضي وفق اجتهاده”، غير أن المحامي بونه ولد الحسن المعتمد لدى المحاكم الموريتانية وصاحب مكتب استشارات قانونية خاص في نواكشوط، يؤكد وجود ثغرات في القانون الجنائي الموريتاني، رقم 162ــ 83 الصادر بتاريخ 9 يوليو/تموز 1983، من حيث عدم تحديد أنواع جرائم الاعتداء الجنسي المختلفة، التي يعدها القاضي في قصر العدالة بنواكشوط، هارون اديقبي، من الجرائم التي أفرزها التطور الاجتماعي، مؤكدا في مقالته المنشورة في موقع أخبار الساحل بعنوان “مراجعة القانون الجنائي الموريتاني ضرورة وخيار” في تاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول، أن جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي، وزنى المحارم، والتحرش الجنسي، والإرهاب تستدعي نوعا جديدا من التجريم، كونها فراغات قانونية تتطلب سدا عند المراجعة للقانون الجنائي.
وسائل الإثبات غائبة
تحتاج موريتانيا إلى اعتماد قانون يُعرّف جريمة الاغتصاب، ويُجرّم جميع أشكال العنف الجنسي الأخرى، ويخلق وحدات جنائية متخصصة، وملاجئ قصيرة وطويلة الأمد، وتخصص التمويل لتنفيذ الإصلاحات وفق تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش وعلى الرغم من أن المادة 309 من القانون الجنائي رقم 162ــ 83 الصادر بتاريخ 9 يوليو/تموز 1983 تنص على أنه “يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من يحاول ارتكاب جريمة الاغتصاب، وإذا تمت الجناية فإن الجاني يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة زيادة على الجلد إذا كان بكرا كما يعاقب بالرجم وحده إذا كان محصنا”، إلا أن المحامي ولد الحسن، يشير إلى وجود صعوبة في توفير الأدلة من قبل ضحايا الاغتصاب، مضيفا أن بعض الحالات الشائعة تتحمل فيها المرأة المسؤولية بحكم القانون، خاصة إذا ما ظهر حمل بفعل علاقات اجتماعية هي أخفتها ولم تشتكِ وتقدم أدلة واضحة لصالحها في الوقت المناسب، لتفتح العدالة تحقيقا.
ويمكن أن يتم التعرف إلى الجاني من خلال إجراء بعض الفحوصات الطبية كفحص (DNA) لإثبات حالة الاغتصاب كما تقول آمنتو المختار، لكنه غير متوفر في موريتانيا، التي تعاني من عجز تام في توفير الفحص الجنائي عند المخابر الموجودة في نواكشوط، غير المؤهلة للقيام به، كما يغيب الأطباء المتخصصون ممن يمكنهم إجراء هذا الفحص، بالإضافة إلى غياب النص القانوني الذي يلزم بإجراء الفحص الجنائي للحصول على إثباتات تدعم الضحية بحسب عيشة السالمة بنت المصطفى وهو ما يؤكده الدكتور الطيب ولد اعليو بمستشفى الصداقة الحكومي ونائب رئيس نقابة الأطباء العموميين الموريتانيين، قائلا لـ”العربي الجديد” إن عدم توفر فحص (DNA) يرجع لأنه لا أحد مستعد لتحمل تكاليفه الكبيرة التي تصل إلى 5 آلاف دولار أميركي، وأهالي ضحايا العنف الجنسي غالبا من ذوي الدخل المحدود، وليست لديهم إمكانيات إجراء هذا الفحص”.
اللجوء إلى التسوية الودية
غالبا ما ترفض المشافي تقديم فحوص الطب الشرعي للناجيات من الاغتصاب دون إحالة من الشرطة، كما أن غياب خبرات الطب الشرعي وبروتوكولات جمع الأدلة من قبل موظفي إنفاذ القانون والصحة يؤدي إلى إضعاف قضية الناجيات أمام المحكمة وفق تقرير “قالوا اصمتي”، وفي ظل عدم تعديل القانون الجنائي حتى الآن في ما يتعلق بحق الناجيات من الاغتصاب وضحايا العنف الجنسي، فإن المتقدمات بشكوى لتعرضهن للعنف الجنسي، في حال إنكار المتهم يعتبر القانون اعترافها ذاك، وقوعا في المحظور، وبالتالي يحيلها ذلك مباشرة إلى السجن بل يعتبر اعترافا صريحا منها ودليلا ضدها في ارتكاب (واقعة الزنى)، بحسب ما تؤكد المحامية المصطفى، التي قالت: “الضحية تكون حاملا وتسجن لمجرد إنكار المتهم تورطه في الجريمة لذلك نحن في الجمعية لا نقدم الشكاوى تفاديا لمشكلة السجن المفتوح أمام هذه الحالات” وهو ما تؤيده آمنتو المختار، مضيفة أن القضاة لا يلجأون لتفعيل الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها موريتانيا وتتعلق بتلك الحالات لأن القانون الموريتاني يعطي الأسبقية للقوانين الداخلية، وهو ما يمنع بعض الضحايا من الإبلاغ الرسمي عن الاعتداءات الجنسية، لأنها تعرضهن لـ”الوصم” سواء من قبل المجتمع، أو من قبل السلطات القضائية التي تعد، مجرد صورة مصغرة عن هذا المجتمع ويحكمون على الضحايا بنفس النظرة المجتمعية الدونية والظالمة كما تقول الباحثة الاجتماعية خديجة المختار، والتي أكدت في رسالتها لنيل الماجستير أن 70% من شكاوى الناجيات من الاغتصاب تمت تسويتها بشكل ودي و30% لا تزال قيد التحقيقات.
الاكتفاء بإعادة التأهيل النفسي
تقدم وزارة الشؤون الاجتماعية، المؤازرة القانونية لضحايا الاعتداء الجنسي بحسب سيدي ولد بيده، مشيرا إلى أن وزارته نقحت بعض القوانين أبرزها قانون العنف المبني على أساس النوع الذي يجرم الاغتصاب، وصادقت عليه الحكومة أخيرا، ويمكن إقراره خلال الدورة البرلمانية التي انطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2018، قائلا: “نأمل قريبا أن تتعزز الترسانة القانونية ضد المعتدين”.
ويتضمن مشروع القانون، الكثير من النصوص الإيجابية المتعلقة بحماية ضحايا الاغتصاب، لكن القانون سبق وقدمته الحكومة إلى مجلس النواب الموريتاني في يناير/كانون الثاني من عام 2018، ولم تتم المصادقة عليه بعد أن أثار جدلا واسعا في البلاد، إذ اعتبرت بعض مواده مخالفة لدستور البلاد المستمد من الشريعة الإسلامية وقررت الحكومة إثر ذلك سحب القانون ومراجعته؛ وهو ما لم يكن له مبرر بحسب تأكيد محامية الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل، والتي قالت إن بعض النواب اعترضوا على مواد ليست فيها إشكالية مثل النص على حرية التنقل الواردة في القانون وهذا بالأصل أمر يكفله الدستور.
في ظل هذه الحال، تسعى بعض منظمات المجتمع المدني إلى إعادة تأهيل المرأة التي تعرضت للاعتداء من خلال تعليم بعض الحرف اليدوية بالإضافة إلى توفير بعض الإرشادات القانونية والخدمات النفسية والطبية ومن هذه المنظمات، رابطة معيلات الأسر التي توفر المؤازرة القانونية للنساء عند التعرض للاعتداء والتوعية والتكوين لإعادة التأهيل النفسية كما تقول آمنتو المختار التي دعمت مينة بنت سيدي التي تعلمت من إرشادات الرابطة، بضرورة أخذ الحذر وعدم الخلوة والابتعاد عن الأنظار حتى لا تتعرض لمحاولة الاغتصاب مرة أخرى كما تقول المرشدة الاجتماعية في رابطة معيلات الأسر، مريم بنت سيدي عالى، التي أشرفت بشكل مباشر على إعادة تأهيلها نفسيا.
العربي الجديد



تاريخ النشر: 2019-02-27 03:21:42

الناشر/الكاتب: mokhtar

أخبار الساحل – تفاصيل الخبر من المصدر

نظام الارشفة الالكترونية