جريدة الجريدة الكويتية | أحقية رجال القضاء والنيابة العامة في الطعن المباشر أمام «الدستورية»

جاء القانون رقم 109 لسنة 2014 بتعديل بعض أحكام قانون إنشاء المحكمة الدستورية، عاماً ومطلقاً، في أحقية كل شخص طبيعي الطعن بدعوى أصلية أمام المحكمة الدستورية في أي قانون أو مرسوم بقانون أو لائحة، وكانت له مصلحة شخصية مباشرة في الطعن عليه.

بيد أنه تثور تساؤلات منها، ما مدى أحقية رجال القضاء والنيابة العامة، فُرادى، في الطعن المباشر بدعوى أصلية أمام المحكمة الدستورية في أي قانون، أو مرسوم بقانون، أو لائحة تتعلق بأي شأن من شؤونهم الوظيفية؟، أم ان هذا الحق يقتصر على المجلس الأعلى للقضاء بحسبان أنه المنوط به تولي جميع شؤون أعضاء السلطة القضائية، أم انه يجب على رجال القضاء والنيابة العامة، قبل الطعن المباشر أمام المحكمة الدستورية، الطعن أمام دائرة التمييز المنوط بها نظر الطعون الإدارية، والتي لها من تلقاء نفسها أو بناءً على دفع بعدم الدستورية من مقدم الطلب إحالته إلى المحكمة الدستورية، لاسيما أنه في حال رفض هذه الدائرة للدفع بعدم الدستورية يبقى باب الطعن لدى لجنة فحص الطعون أمام المحكمة الدستورية مفتوحا أمام مقدم الطلب؟

وحتى يبين أهمية ما سبق من تساؤلات تَكفل عجز المادة الأولى من القانون رقم 109 لسنة 2014 بتعديل بعض أحكام قانون إنشاء المحكمة الدستورية بالنص على أنه في حال ما إذا ارتأت المحكمة الدستورية منعقدة في غرفة مشورة أن الطعن يخرج عن اختصاصها، أو أنه غير مقبول شكلاً، أو أنه غير جدي، قررت عدم قبوله ومصادرة الكفالة.

وبادئ ذي بدء، يجب أن تكون نقطة الانطلاق المادة (166) من الدستور ذاته، التي تنص على: (حق التقاضي مكفول للناس، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق).

وبحسبان أن الدستور، إذ عهد في المادة 173 منه إلى المحكمة الدستورية بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ويكفل القانون حق ذوي الشأن في الطعن لدى تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح، فقد دل بذلك على أن ولايتها في شأنها هي ولاية عامة، وأنها أضحت قاضي القانون العام بالنسبة إليها، وأن المسائل التي اختصت بها لم تعد محددة حصراً في أحوال بذاتها، وأن عموم ولايتها هذه وانبساطها على المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح على تباين صورها، لا يعني غل يد المشرع عن تنظيم إجراءات اللجوء إليها بشأن فئة معينة، على أن يكون ذلك استثناء، وبالقدر وفي الحدود التي يقتضيها الصالح العام، وفى إطار التفويض المخول للمشرع بنص المادة 164 من الدستور في شأن تحديد الهيئات القضائية وتقرير اختصاصاتها وتنظيم طريقة تشكيلها.

وبحسبان أن اختصاص دائرة التمييز المنوط بها نظر الطعون الإدارية دون غيرها -وفقاً لنص المادة 50 من مرسوم بقانون بشأن تنظيم القضاء- بالفصل في الطلبات التي يقدمها رجال القضاء والنيابة العامة بإلغاء القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بأي شأن من شؤونهم الوظيفية متى كان مبنى الطلب عيباً في الشكل أو مخالفة للقوانين واللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها أو إساءة استعمال السلطة، لا يعدو أن يكون استثناء من أصل خضوع المنازعات الإدارية جميعها للولاية التي عقدها الدستور


-وفقاً لنص المادة 169 منه- للقضاء الإداري، وهو استثناء تقرر لمصلحة جوهرية لها اعتبارها بحسبان أن دائرة التمييز المنوط بها نظر الطعون الإدارية أكثر خبرة ودراية بأوضاع جهة القضاء وشؤون أعضائها، وأولى بالفصل في منازعاتهم، وكان انعقاد الاختصاص لهذه الدائرة على النحو المتقدم، يكفى لقيامه أن يؤول طلب الإلغاء إلى التأثير في المركز القانوني لأحد رجال القضاء والنيابة العامة، ولو كان مقدماً من غيرهم، إذ يعتبر الطلب في هاتين الحالتين -كلتيهما- متصلاً بشأن من شؤونهم.

والحكمة التي تغياها المشرع في المادة 50 من قانون تنظيم القضاء -ووفقاً لمذكرته الإيضاحية- من إسناد نظر طعون رجال السلطة القضائية إلى محكمة التمييز (باعتبارها أعلى هيئة قضائية في البلاد إمعاناً منه في بث روح الثقة والطمأنينة في نفوس القضاة، حتى لا يشغلهم عن أداء رسالتهم المقدسة شاغل أو هاجس، ودفعاً لكل شبهة أو حرج).

صفوة القولِ إنه يجب على رجال القضاء والنيابة العامة، قبل الطعن المباشر أمام المحكمة الدستورية، الطعن أمام دائرة التمييز المنوط بها نظر الطعون الإدارية، والتي لها من تلقاء نفسها أو بناءً على دفع بعدم الدستورية من مقدم الطلب إحالته إلى المحكمة الدستورية، وأنه في حال رفض هذه الدائرة للدفع بعدم الدستورية يبقى باب الطعن لدى لجنة فحص الطعون أمام المحكمة الدستورية مفتوحا أمام مقدم الطلب، لاسيما أن هذا الأمر مرتبط بالنظام العام بحسبان تعلقه بإجراء من إجراءات التقاضي.

ولا ينال مما سبق القول إن اختصاص دائرة التمييز المنوط بها نظر الطعون الإدارية في الطلبات التي يقدمها رجال القضاء والنيابة العامة ينحصر في المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات، والمكافآت المستحقة لهم أو لورثتهم.

فمثل هذا القول مردودٌ عليه بأن هذه الدائرة تختص بإلغاء القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بأي شأن من شؤونهم الوظيفية، وليس فقط في المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت المستحقة لهم أو لورثتهم.

كما لا ينال مما سبق القول إن دائرة التمييز المنوط بها نظر الطعون الإدارية في الطلبات التي يقدمها رجال القضاء والنيابة العامة ينحصر في إلغاء القرارات الإدارية النهائية، في حين أن المحكمة الدستورية تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح.

إلا أن مثل هذا القولِ -بدوره- مردود عليه بأن القرارات الإدارية النهائية التي تترتب على أي قانون أو لائحة، وتتعلق بأي شأن من شؤون رجال القضاء أو النيابة العامة الوظيفية، هي التي تكون محل طلب الإلغاء أمام دائرة التمييز المنوط بها نظر الطعون الإدارية، وليس القانون أو اللائحة في ذاتها، وأن هذا بيت القصيد في (جدية الدفع بعدم دستورية)، أي قانون أو لائحة، بحسبان أن مناط جدية الدفع بعدم الدستورية هو أن يكون من شأن الحكم في المسألة الدستورية أن يؤثر فيما أبداه المدعي من طلبات موضوعية.


المحامي

تفاصيل الخبر من المصدر ( الجريدة)

نظام الارشفة الالكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.